الأربعاء، 20 مايو 2015

وعد

و اجتمعنا بعرس وعد باستنبول ....
أبوها و عمها أجو من الإمارات و جدتها من قطر و خالها من سوريا و عريسها من جدة و حنان و ديمة و فارس و أنا من عنتاب.... و أمها و أخواتها بعدهن بدوما و الباقي يا بالشام يا بالشتات .
و قبل بيوم طالعنا العرسان ناكل اكلة حلوة بمناسبة العرس ....
و ضحكنا و مزحنا ..... و وقفنا أنا و أبوها على جنب و حكينا يوم يلي طلعت من المعتقل بعد 130 يوم ....
أنا كنت 130 يوم حاول ما أسمع أنو وعد يلي بتلبينا هي و أمها بكل شي منحتاجه و أي خدمة منطلبها متل أخت حقيقية اعتقلت و التهمة كانت توزيع مواد دعم نفسي ﻷطفال الارهابيين و طبعا وهن اﻷمة و إضعاف الشعور القومي ....إلخ  كنا عم نحكي أنا و أبو عماد نفس الحكيات كيف خفنا و كيف يأسنا و كيف صرنا نبكي يوم طلعت من المعتقل و كل واحد فينا بمكان .... إلا ديما .... كانت تكتبلها رسائل لوعد و هي بالمعتقل .... و أنا كنت أعمل حالي ما شايف منشان ما أبكي و بكيت بعدين كتير يوم يلي طلعت ... و ضلبت خايف لشفتها بعيني بعنتاب ..
و أجى محمود .... شب بياخد العقل و طيب كتير و أخد عروسته و هو ما شايف حماته .... يعني في ناس بتكون محظوظة أنو ما عم تعد مع حماتها بس أنا و محمود مو منهن ....
متل ما طلعتي يا وعد و الله ما خيبنا و حضرنا عرسك .... رح يجي يوم و نجتمع بأمك .... أم الكل و أخت الكل أم عماد ... و هاليوم ان شا الله قريب و بفرج كبير

سنعود

في مثل هذه الليلة منذ عام
كنت أعد طعام العشاء منتظرا بعض الأصدقاء من المشفى لنتناول العشاء سوية و كنت أسلق بعض اللحم .
دق الباب .... كان أبو محمد مجدرة على الباب و دخل إلى المنزل ملقيا السلام بهدوء .... كانت عيونه تتلفت يمنة و يسرة ليتأكد أن لا أحد في المنزل و حين اطمأن قال لي : البس ثيابك ... آن الأوان ....
قلت له سأطفأ النار تحت الطعام و أبلغ اﻷصدقاء كي لا يأتوا ...
كان حريصا و حذرا فقال لي أبلغهم أن لديك أمرا طارئا .
و وقف جانبي يستمع كي يتأكد أن لساني لن يزلق بكلمة .
كنت متفق مع صديقي و أخي الكبير و نديم سهرات الشتاء الطويلة في الغوطة أبو عادل الطوخي على كل التفاصيل ... كل شيء بمكانه منذ أسابيع  إلا محفظتي فقد كانت في العيادة ...
فقلت لابو محمد أحتاج 5 دقائق ... أجاب بحزم عند الدقيقة السادسة سأمشي ...
ركضت و جلبت محفظتي من العيادة و ركبت بالسيارة و ابو محمد يتلو علي التعليمات على الطريق .... لا كلام مع الدليل ... تضع قدمك حيث يضع قدمه .. تركض حين يركض ... طوال الطريق لا أحد يعرف لا اسمك و لا مهنتك و لا حتى اسمك الحركي و طلب مني اسما خاصا بالطريق و قلت له يومها لقبي الحقيقي .... أبو أحمد ... كنت قد نسيت أني أبو أحمد و لست أبو علي و كانت الناس قد نست أيضا .
وصلنا مكان الانطلاق .... كان عليي خلع النظارة و حتى خاتم الزواج كي لا يلمع في الظلام ....
مشينا و زحفنا و ركضنا ... تهنا قليلا و بعد ساعات طويلة من المشي بدأنا نقترب من اﻷضواء و بدأ الدليل يتكلم بصوت مرتفع و علمت عندها أن الوضع أصبح أقل خطرا .... و التفت إلي و قال أترى الكهرباء .... ضوء بدون ضجيج المولدات ... أتشم رائحة الخبز ؟
لم أجب و استمريت في المشي ... ارتحنا في النهار و أكملنا المشي في الليلة التالية و رزقنا الله مطرا ليلتها حتى ابتل معطفي الجلدي الذي نصحني أبو محمد بأن ألبسه ...
في كل مسافة من الرحلة دليلها ... و كل يحدثك برائحة الخبز.
طاردنا الطيران و القى براميله علينا عدة مرات ... اختبئنا .. خفت كثيرا حتى انقطعت أنفاسي عدة مرات ... أغمي علي مرتين أثناء المسير الطويل ... و حملني شابان لا أعرف اسميهما.
في كل مرحلة كان سؤال الدليل ... وينه تبع الغوطة ؟ أكلت خبز ... تشرب كولا ؟
وصلت اﻷردن بعد 11 يوما و بقيت على حدودها عدة أيام حتى دخلت و بقيت في الزعتري خائفا من صوت الطيران الأردني الذي يمشط الحدود ....
في اﻷردن كنت أبكي معظم الوقت .... و اتصلت مع أبو غسان علايا و الاستاز جهاد عزو ليساعدوني في الخروج
كان سؤال كل من التقيه و يعلم أني من الغوطة : هل أكلت ؟
هل تريد طعاما ... بعضهم سألني هل تريد فروج ؟
بعد 20 يوما وصلت الريحانية في تركيا قادما عبر مطار عمان فاستنبول حيث التقيت ديمة و فارس
في المساء في الريحانية قالت ديمة نحتاج حليب و حفوضات لفارس .....
دخلت سوبر ماركت و شاهدت قطرميز شوكولا يلمع مزهوا من بعيد ..... كن اقترب شيئا فشيئا لاتذكر ما كان اسم تلك الشوكولا .... نعم أنها نيوتلا
استأجرت سيارة من الريحانية و تجرأت ﻷقودها إلى عنتاب .... كانت عيناي تراقب مؤشر الوقود طيلة الطريق كعادتنا في الغوطة .
أوقفتنا الجندرما التركية على الطريق .... كان قتيبة رافقني في تلك الرحلة و استشعرت بالاطمئنان من طريقة لا مبالاته للجندرما و اكتشفت فيما بعد أن هناك جيوشا لتحمي البلاد لا لتحمي أنظمتها و لا يستوجب تفتيشها خوفا و اكتشفت فيما بعد أن قتيبة لا يبالي لا للجندرما و لا لغيرها  .
استقبلنا في عنتاب محمود أبو الفوز و كان قد استأجر لنا منزلا صغيرا و أخذنا لنشتري حاجياتنا من السوق و كنت أغمض عيوني قليلا لأتحاشى إضاءة اﻷسواق القوية و قال لي : ماذا تشتهي من طعام فقلت له بدون تردد : شاورما جاج .....
أحب شاورما الدجاج كثيرا و كنت استعيض عنها بأن اطبخ شاورما اللحم بيدي في الغوطة فاللحم متوفر و الدجاج من اﻷحلام ....
ذهبنا إلى مطعم حلبي و كنت أفكر .... هل أطفأت النار تحت اللحم ليلة خرجت أم أن أبو محمد منعني بحزمه من ذلك و لم استمتمع يومها بالشاورما و لم أفعل حتى اليوم و لا أجد حتى اليوم في كل تركيا شاورما مثل العوافي في دوما .
أخرجني يومها أبو محمد من الغوطة و في كل مرحلة كان له شخص يقوم برعايتي و تأمين طريقي و كان مجمل عددهم 8.
اطمأن عليي حين وصلت عبر الفايبر .....
أبو محمد عدس أو كما كان لقبه مجدرة .... شهيدا جميلا مع 5 أشخاص ممن ساعدوني على الطريق بعضهم بيد داعش و بعضهم بيد النظام و أبو محمد اغتيل في الغوطة بيد غادرة خلال هذا العام.
هل أكلت ... أترى الكهرباء بدون ضجيج المولدات ... أتعرف هذا الذي يدعى فروج ؟ ... أتشم رائحة الخبز ؟
لا و الله ما خرجت ﻷجل هذا ..... خرجت ﻷني أريد بقعة لا يطير حقد اﻷسد فوقها .... خرجت ﻷني أريد اﻷمان لعائلتي ....
بعد أن خرجت زوجتي باسبوع من الغوطة قصف منزلنا و امتلأ سرير فارس بالشظايا الذي كان لم يبلغ عاما بعد .
قبلها بشهر عدت المنزل فوجدتها تبكي ﻷن فارس  كان ينزف من أكياس النايلون التي كنا نستعملها عوضا عن الحفوضات ....
أحقا يستحق طريق الخروج كل هذه المعاناة ..... ؟؟؟؟
بل إن طريق العودة يستحق أكثر من ذلك .... سامحوني جميعا يا من تركتكم هناك فما عدت قويا مثل ذي قبل .... أعمل هنا 14 ساعة يوميا و لكن لا قوة لي ﻷسمع هدير الطائرات فوقي.
سامحوني إن عدت ﻷنعم بوطني بعد انتصاركم يوما

محمد بدرة ... قصتنا و هويتنا

هذا محمد بدرة
هي القصة حكيتها لكل الناس لما كنت بالولايات المتحدة
و هلأ رح أحكيها هون ..... محمد قصة جيل .... محمد قصتنا
بعام 2012 كنت بالهلال الأحمر تبع دوما و بعد ما استشهد محمد الخضرا اخدت منسق لجنة الموارد البشرية و كان محمد مسعف وقتها و لاحظت أنو جدول المناوبة لما بينزل الكل بيحاول يتهرب من المناوبة مع محمد ( معلش محمد هي الحقيقة ) ..... ما فهمت ليش بيتهربوا منه لحتى شفت محمد عم يتعامل مع الدم ...... بيرتبك و بيربك كل الفريق ...... ما بيقدر يضبط أعصابه ...... مرهف بشكل كبير و وقتها (((كان)))) خجول كتير .... يعني هو لسه خجول بس مو كتير و كان محمد يرسم و يكتب خواطر و يورجيني ياهم و هيك مرة قلتله لمحمد شو بدك بشغل الاسعاف تعال و صور الجرحى و المرضى و اشتغل باللجنة الإعلامية و شوي شوي صار محمد يصور و ينشر صوره و صوره تنتشر عالفيس بوك بشكل كبير و استفاد كتير من التجربة الكبيرة و الصداقة مع فنان الثورة العظيم بسام الحكيم .
اجى مرة لعندي محمد و كان زعلان كتير لان فقد هويته و كل أوراقه الثبوتية تيجة القصف و قلي انا صفيت بلا هوية .... صفيت حساب فيس بوك  وحتى خفف عليه مزحت معه و قلتله  لا تخاف انا بشهد أنك محمد بدرة ..... ما بعرف اديش ممكن تكون هالتطمينات حقيقية بس ما عرفت شو قله وقتها
و هون قلي ما وقفت القصة على هيك ...... نتيجة انتشار صوري على الفيس بوك اجى الأمن و سحب ملفي من الجامعة .... يعني ما اكتفى بطرده من الجامعة بل سحب كامل الملف بحيث ما في شي يثبت أنو محمد كان بيوم من الأيام عم يدرس هندسة معمارية بجامعة دمشق .
حقيقة ما عرفت شو جاوب و أجت أيام و راحت أيام و طلعت أنا على تركيا و هون صور محمد كانت انتشرت كتير و صار تنشرها وكالات أنباء عالمية و منها رويترز و طلب مني محمد أنو شوف المنسق الأقليمي تبع رويترز ...
كان الشخص كتير لطيف و قلي محمد ما عم يرضى ياخد تعويضاته و في اله رواتب هو و بسام لأن هن بيعتبروا انو هن عم ينقلو رسالة من بلدهن مو عم يشتغلوا كعمل و أنا هون كنت بعرف انو محمد بدو يشتري كاميرا و قلتله انا باخدلو ياهن و طلب مني وقتها مديره لمحمد برويترز أنو نطلعه من التصوير بالإسعاف و قلي المصورين يلي متله بيضلو يصوروا صور موت و جرحى بيجيهن اكتئاب .... و قلي في كتير شي بالحرب ممكن يتصور و يعطينا تفاؤل ... خلي يطلع و يصور حياة الناس اليومية ...
و حاكيت محمد و قلتله ليش ما بتطلب كاميرا من رويترز ..... قلي أنا ما بيعطوني كاميرا و لا رواتب قد رفقاتي يلي عندهن هويات و أوراق ثبوتية ..... انا بالنسبة لوكالة رويترز حساب فيس بوك و ما رح يعطو كاميرا لحساب فيس بوك ..... ما عرفت شو قله و صرت خفف عليه و أنا بدي طالعه من نقطة الإسعاف و كان محمد و بسام يصورو بطريقة احترافية بحيث ما بينشروا صورة الضحية متل ما بيسموها لياخدوا إذنها و الضحية هي الشخص المصاب يلي نجا من الموت و كان ضحية الكاميرا بوقت الإنسان ما بيتمنى يشوف فيه غير متطوع دفاع مدني او طبيب و هيك بيدردشوا مع الضحية لحتى يحصلوا على الإذن و بيسمعوا قصتها و صار محمد و بسام خزان من القصص المؤلمة  و صرت قله يا محمد ما بتشتهي تصور ميسي و رونالدو متل رفقاتك برويترز يلي بيصورو مباريات عالمية ..... ما بتشتهي تصور نجوم السينما متل ما زملائك برويترز بيعملوا .... أنت ما بتفرق عنهن شي ... يا أخي صورلي طنجرة يبرق شغل الوالدة و الكل بيعرف انو أمه لمحمد بتطبخ طبخ طيب كتير و تنافسي مع طبخ بيت أبو عادل الطوخي .... قلتله يا محمد ما بتشتهي تصور البلد و هي عم تتعمر من أول و جديد ..... و أنا نسيان أنو كان ممكن يكون هو مهندس معماري متخرج و هو يعمر البلد ... و هون قلي محمد أنا بدي صورك أنت و ديمة وقت بترجعوا أنتو و كل هالمغتربين تعمروا البلد ....
محمد حكاية جيل فقد هويته و فقد تعليمه و لسه متشبث بالأمل و بالبلد .... محمد حكايتنا
هاد الفيديو عملوا مجموعة إعلامية شكر لمحمد على أعماله و للصدق في صورة او صورتين مو من تصوير محمد بالفيديو
https://www.youtube.com/watch?v=ZEfv_2fdKX0

الخميس، 27 نوفمبر 2014

دعاء

لن تعرف دعاء ذات العشر سنوات من وضعها في زاوية المدرسة في هذا الموقف المحرج
ستكون خجولة دائما بشعرها المحلوق ليظهر فروة رأسها الصغير تلمع
ستجلس في زاوية مدرستها منزوية و كأنها هي من جلبت المرض لنفسها 
سيلعب بعض الصبية حولها ليسمعوها كلاماً عن تلك الديدان التي ظهرت في رأسها 
هل هم الأطباء و الممرضين الذين لم يتقنوا تنظيف جرحها بشكل كاف في ظل العدد الهائل من الجرحى في الغوطة أم هم والديها الذين لم يستطيعوا أن يغيروا ضماد جرحها الصغير بالشكل المناسب ؟
هل هي الحرب التي جعلت الظروف الصحية تنخفض إلى هذه السوية؟ 
دعاء عمرها عشر سنوات ابنة الغوطة الشرقية راجعت أحد النقاط الطبية بشكوى حكة و ألم في الرأس و شخصت الحكة بداية على أنها قوباء و بعد عدة أيام اكتشفت أحدى الطبيبات أن هذا هو النغف الذي لم يظهر في سوريا سابقا بشكل متكرر في نفس المنطقة و إنما كانت عبارة عن حالات فردية تظهر لدى بعض الأسر نتيجة قلة الاهتمام و النظافة الشخصية و متابعة الجروح.
لم تكن دعاء هي المريضة الوحيدة التي حملت تلك الديدان الصغيرة التي تظهر نتيجة تلوث الجرح ببيوض إحدى الحشرات و لكن اكتشفنا فيما بعد أن هناك العديد من الحالات التي تراجع النقاط الطبية .
أقسام الاستشفاء في الغوطة الشرقية تغص بالجرحى و قلما نستطيع أن نقدم الرعاية الطبية اللازمة للجريح حتى الشفاء الكامل و لا بد للجريح أن يكمل استشفاءه في المنزل لنفس المجال لجريح آخر ليأخذ على الأقل إقامة في الأيام الأولى التالية لجرحه و لن تضمن أن تكون تلك الرعاية الطبية المقدمة في المنزل تراعي أدنى شروط العقامة و النظافة للجرح. 
دخلت الغوطة الشرقية غيتيس مرتين سابقا و ذلك بأكبر مطعم في العالم و أكبر مدينة مفروشات في العالم و هي تدخل غينيس اليوم بأعلى سعر للتر الوقود في العالم فقد وصل الصيف الماضي سعر لتر الوقود إلى 12 دولار في منطقة احتفلت منذ بضعة أسابيع بمرور عامين على انقطاع الكهرباء بشكل نهائي و سيصعق المجتمع المحلي إن طلبنا منه كتوعية للوقاية من المرض أن يقوم بكي الثياب جيدا أو غلي المياه الملوثة من الآبار كمثال و سيكون من الشائك جدا أن تطلب من المريض الذي لم يجد له متسعاً في دور الاستشفاء أن يراجع النقاط الطبية يومياً ليقوم بتغيير الضماد فمن الصعب لا بل يقرب أن يكون مستحيلاً في ظل هذا الغلاء استعمال وسائل النقل لنقل كل جريح.
تنقل احدى الطبيبات الصديقات المتابعة لهكذا حالات عبر العالم مخاوفها حين رأت الحالات بقولها : هذا دليل كبير على انخفاض السوية الصحية في سوريا و هي المرة الأولى التي نراها في سوريا بشكل متكرر في نفس المنطقة. 
هذه المنطقة التي دخلت غينيس مرتين ما زالت تطالب بسجل آخر غير سعر الوقود الأعلى و هو المنطقة الأكثر استهدافا بالاسلحة الكيمائية في العالم بعدد المرات و يفكر سكان المنطقة بأن ما نزل عليهم من غاز الكلور كقنابل كان سيكون كافيا لتنقية المياه التي يستخدموها ناقلة لهم النغف و غيره من الأمراض فيما لو أرسل إليهم بالشكل المناسب فتلوث المياه و البيئة و عدم القدرة على التخلص من النفايات هي التي توفر البيئة المناسبة لهكذا أمراض للانتشار 

الجمعة، 14 نوفمبر 2014

غربة

و تستحي بهمومك أمام هموم المحاصرين فترفض أن تحكيها
حين وصلت عنتاب و بعد عدة أيام كان لا بد من إجراء عملية يعرفها كل الوافدين الجدد إلى تركيا بقصد الإقامة و هي تتريك التلفون المحمول.
موبايلك الذي اشتريته من خارج تركيا بثمن أقل من نظيره التركي لن يعمل لأكثر من اسبوعين في تركيا بما يكفي سائحا عابرا ليستخدم جهازه أما المقيم فلن يعمل هاتفه و سيتوقف بعد برهة و لذا عليك إما استبداله أو ((( تتريكه )))
كنت مع صديقي محمود الذي يقطن عنتاب منذ ما يقارب العام و هو كان دليلنا حين وصلنا في معظم الأمور .
كنا نبحث عن محل معين صاحبه سوري ..... أرسلنا له أحد الأصدقاء ..... تهنا قليلا عن المحل و توقف محمود و قال سنسأل أحد السوريين من المنطقة فلا بد أن يعرف ....
وقف محمود يراقب المارة لدقيقة ......... شاب يمشي وحده استوقفه محمود دون سابق إنذار و كلمه بالعربية : السلام عليكم ..... أخي وين محل الاتصالات فلان الفلاني
ذهلت بقدرة محمود على تمييز الوجه السوري بين الوجوه التركية التي لا تفرق ملامحها بشيء عن السوريين بعكس الأتراك الذين لطالما أوقفوني يسألوني بالتركية عن مكان ما في حيينا بالتركية دون أن يميزو أني سوري.
اليوم أصبحت أدرك كيف تكتشف الوجوه السورية .....
سترى تلك الابتسامة السورية لم تختف عن الوجوه رغم كل التعب ......
سترى شاباً يعمل نادلا في أحد المطاعم أو عاملاً في أحد الأفران أو بائعاً هنا أو هناك ....... سترى تعبه و هجرته و ألمه يغطيها بابتسامة تميزه عن الجدية التركية .
الأتراك قلما يبتسمون ....... قلما يضحكون و تلك الابتسامة اللطيفة التي يراها زائروا تركيا في الأماكن السياحية ستختفي حالما تبتعد أمتاراً قليلة عن الأماكن السياحية و ذلك لا يذمهم في شيء فللحق معظمهم يلعب مع فارس عندما يراه و يرحب بقوله : هوشجالدينيز ( اهلا و سهلا ) و لربما يعطيه قطعة من الشوكولا أو مما يطعم به ابنه بكل ود و لكن دون ابتسامة تطمئن.
سترى السوريون يجدون طريقتهم في الضحك و الابتسام ليغطوا خوفهم من المجهول القادم .... تعبهم من رحلة اللجوء الغير واضحة النهاية ...... ألمهم من حبيب تركوه حيث يعلمون أو لا يعلمون.
قلقهم من كل شيء حتى مني أنا السوري بعد تجارب طويلة مع سوريين امتهنوا النصب على أبناء وطنهم .
أبحث عن منزل منذ ست شهور فانا أقطن في استديو صغير لا تتجاوز مساحته 40 مترا و تعرضت للعديد من محاولات النصب من سوريين عدا عن عشرات المرات من سؤال الأتراك و الإجابة المعهودة : سوري يوك .... يابانجي يوك
و حتى الديبلوماسي منهم يرفع أجرة منزله ضعفاً او أكثر كي يقصيك عن استئجاره لكثر ما رأوا من سوريين مثلنا من سرقات و عادات سيئة و استهتار بالممتلكات و الجيران ...... عدا عن السمعة السيئة التي تتمتع بها مؤسسات المعارضة كالائتلاف و الحكومة المؤقتة و قد سمعت العديد من الأتراك بعضهم في مناصب مهمة يتحدثون عن الائتلاف اللاهث وراء المعونات دون السعي لتغيير شيء من الواقع بل كل ما يهمه هو الشقق الفخمة و السيارات الفارهة ليتجول بها بين الفنادق التركية .
نلتقي في الحدائق و في المطاعم نميز بعضنا من الابتسامة الخجولة على الوجوه قبل أن نتكلم و فورا يبدأ كل مننا بالتكلم عن مشاكله و مأساته عدا عن فضول أغلبنا لمعرفة ظروف الآخر الغريب القريب
قليل مننا يتقن حمد الله و تفويض أمره لرب العالمين و لربما هذا جزء من مأساتنا في الغربة القريبة .
ستسمع قصص السوريين هنا عن بلاد الكفار التي لا ننفك نسعى إلى الوصول إليها ....... ستسمع الامهات يتحدثن عن تلك العادات الكافرة التي يعلمها الغرب لأطفالنا في المدارس و تراها في اليوم الثاني تتحدث عن سعيها للهجرة إلى إحدى تلك البلدان التي تسمح المدارس تعليم ابنها فيها فلا مدرسة تأويه.
سترى تلك الشريحة اللاهثة هنا للمال ...... بعضهم يعمل في تزوير الجوازات و بعضهم يعمل في استئجار و تأجير البيوت و بعضهم يعمل في التهريب إلى أوروبا و بعضهم يعمل في بيع السيارات المسروقة من سوريا و .......
هم أنفسهم كانوا يفعلون أمورا مشابهة في كنف النظام
سترى السوري يمشي خجلاً بكل هؤلاء محاولاً أن يعطي انطباعا مغايراً عن السوريين بابتسامة يخفي بها ألمه و عاره بأشقاءه ......
سوري يوك ...... يابانجي يوك ....... عبارة مؤلمة أبكت زوجتي عدة مرات و مع ذلك ما زلنا نبتسم و نحن نمشي في طرقات عنتاب الجميلة نبحث عن تلك الوجوه المبتسمة بين الجموع ...... تبادلنا الابتسام و الأمنيات بغد أفضل
و ترحل بسرعة خوفاً من صديق سوري جديد قد تتعرف عليه لتتلقى صدمة جديدة بعد أيام .
نجاتي مستثمر شقق تركي يعرفه أغلب السوريين هنا و مشهور بقسوته و استغلاله
نعم هو يؤجر السوريين و لكن بسعر قاس و لكنه موحد للجميع و لم يذكر أحد أنه استطاع استعادة مبلغ تامين المنزل من نجاتي و كل الأبنية التي يستثمرها نجاتي بيوت صغيرة كبيتي تصلح سكناً مؤقتاً .
عدة تجارب مع سماسرة سوريين أثبتت ان نجاتي أفضل منهم جميعاً
منذ أيام احتجت شيئا من محل موبايلات و ذهبت لذات المحل الذي أخذ مني 30 ليرة تركية لقاء ( تتريك ) جهازي حين وصلت منذ ست شهور و كان لديه زبون يتكلم نفس لهجته و يبدو أنهم يعرفون بعضهم قبل هجرتهم من سوريا
كان يحمل نفس جهازي و كان السعر 10 ليرات تركية لتتريك الجهاز ....... يبدو أن لكنتي لم تعجبه و أخذ 3 أضعاف مني أنا........ فلا عجب إن لم يرجع نجاتي التركي التأمين للسوريين و لا عجب إن حدثنا الجيران بفضول شديد يرافقه حذر أكثر شدة و وطأة علىينا نحنا هنا الغرباء بطوعنا ...... و أخجل أن أقول أننا غرباء  قسرا فو الله لا يميز من بقي في مدينته في سوريا عنا إلا الشجاعة و الإيمان و ما أكبرهما من فارق.

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

برتقال

منذ 5 أيام اشتريت كرمنتينا و تذوقتها للمرة اﻷولى و الحمد لله بعد انقطاع دام عامين و رأيت بعدها عدة بوستات ﻷصدقاء من الغوطة حول البرتقال
لم أكن أعلم كابن للغوطة أننا لا نملك شيئا من أشجار الحمضيات حتى جاء الشتاء الماضي و اكتشفت بشكل تفصيلي ما تزرع و ما لا تزرع الغوطة.
الشتاء الماضي كان عمر فارس 8 شهور و كانت مشكلتنا الرئيسية مع الحصار حليب اﻷطفال و الحفوضات كعائلة لديها رضيع.
لم يكن بالساهل إيجاد حفوضات للطفل و كان علي أن أبحث في كل مكان ﻷجد كيسا متبقيا هنا أو كيسا مهربا من هناك ..... و كان باعة المنظفات يعرفون طلبي و يعتذرون قبل أن أسأل بابتسامة لطيفة : و الله ما أجانا حفوضات يا دكتور ..... حقك علينا
كان اعتذارهم مؤلما لسببين أولا لعدم تلبية طلبات فارس الذي بات ينزف لقلة الحفوضات و ثانيا لبحثهم كجيران و أصدقاء عن متسبب ﻷزمة فارس حتى لو كانوا هم أنفسهم بقولهم : حقك علينا ..... بعضهم كان يعرف فارس شخصيا و يقولون : حقك و حق فارس علينا.
كانت الابتسامة العريضة لعبد الرحيم أحد الأصدقاء تعني شيئا في ذلك اليوم
كانت الغيوم و الأمطار قد بلت قلوبنا قليلا و لمن لا يعرف فيوم ماطر هو يوم بلا طيران أيضا مما يتيح حركة أفضل في السوق و ما أجمل نزلة البرد مقابل نزلة الميغ .
كان أجمل ما رأيت يومها إلى جانب ابتسامة عبد الرحيم التي تعني تخفيف معاناة فارس قليلا هو ذلك اللون البرتقالي الجميل على الرصيف المقابل.
الخرمة أو الدرابزين الخرمسي كما نسميه تملك ذات اللون و كنا نستطيع الحصول عليها من حين ﻵخر و كان قطع الطريق الضيق لصدمة أخرى أن ما أراه هو الخرمة و ليس البرتقال سيكون مؤلما و كان القلق الجانبي هو سعر الكيلو إن كان قلقي اﻷول حول خداع البصر الخرمي اليومي ليس في محله هذه المرة
عبد الرحيم فهم النظرات و قال لي : اي دكتور .... هاد بردقان
كيس الحفوضات في يدي اليمنى و قطعت الشارع لاجد ان البرتقال ليس سرابا
كنت أعلم آلية شراء البضائع المفقودة ..... لا نقاش في السعر و اﻷفضل أن لا تسأل لأنك إن علمت السعر لن تشتري
وضعت خمس برتقالات من أصل كرتونة البرتقال الوحيدة الموجودة في كل السوق على الميزان و البائع بإجابة باردة خجولة قال : 1800 ليرة أي ما يقارب 12 دولار ذاك الوقت.
12 دولار في منطقة لا يصل دخل معظم قاطنيها لمائة دولار شهريا للعائلة التي لديها أحد يعمل.
كان ذلك أقسى من ثمن كيس الحفوضات الذي لا بد منه..... عكس البرتقال الذي كان امتلاكه كامتلاك مرسيدس موديل العام من الفئة اس كاملة المواصفات فذلك يعطيك شعورا بالخجل و انت تحمل تلك البرتقالات الخمس عبر الشارع.
ما زلت أذكر اتخاذ القرار بتقشير برتقالة من البرتقالات الخمس كم يستلزم من التفكير.
ما زلت اذكر نهم فارس للبرتقال الذي تذوقه للمرة اﻷولى ذلك اليوم
ما زلت أذكر تلك الفرحة الجميلة على وجه زوجتي الصبورة حين دخلت بالبرتقالات الخمس و الضحكة الجميلة  حين رأت كيس الحفوضات بيميني و كيس البرتقال بيساري.
ما زلت أذكر كل مرة دخلت فيها إلى المنزل حاملا بازلاء يابسة أو فولا أو عدسا أو الحلم اﻷبيض الجميل المسمى رز و سكر أو أحدهما على اﻷقل ..... كيف كانت نظراتها الممنونة و كأني أتيتها بخاتم من الماس.
أهلنا في الغوطة سامحوني فأنا آكل البرتقال هاهنا في عنتاب الملوثة بمؤسسات المعارضة المتخمة و أنتم تحرمون كل شيء في هواء الغوطة النقي

الجمعة، 29 أغسطس 2014

بحاجة إلى دم

نقطة اﻹسعاف بحاجة إلى دم A+
هل يعلم أحد ماذا يعني ذلك .... ؟
أي أن سافلا سلط نيران حقده على أهلنا فأصيب من أصيب و استشهد من استشهد
أي أن من أصيبوا نقلوا تباعا إلى نقطة اﻹسعاف و استهلكت أكياس الدم في البراد واحدا تلو اﻵخر حتى جاء مصاب يحتاح دما و لا يوجد
أي أن كل من في النقطة الطبية و حرسها و جيرانها و مسعفيها و مارة الطريق قد سئلوا إن كان هناك من متبرع و جميعهم إما تبرع حديثا و لا يستطيع أو زمرته لا تتطابق
أي أن أما ترتجف عيناها بحثا عن متبرع دون أن تجد
في أحد اﻷيام و قبل أذان الفجر بقليل ....... كنت جالسا عند أبو عماد صديقي الذي يشرف على مولدات المكتب الطبي ليلا
و جاءت إحدى اﻷمهات في مشهد اعتدنا عليه تسأل عن احدى الزمر
كانت ابنتها الحامل أصيبت و تحتاج دما
لم تتطابق الزمرة المطلوبة مع أحد ..... نصحناها بالتوجه إلى المسجد حيث موعد الصلاة اقترب و طلبنا الزمرة على اللاسلكي و عبر غروبات النت في دوما كما هو معتاد
بعد الصلاة وقفت اﻷم تستجدي زمرة ابنتها لتنقذ لربما روحان معا
أي ظلم هذا أن تقف أمك على باب المسجد ......
ليس الموضوع مساعدة مالية ..... أريد دمكم
تريد دما ينقذ ابنتها و جنينها
أي ظلم هذا و سفاحنا يجلس في قصره يضرب حصاره و يريد دمنا ليشبع غرائزه اللابشرية
أي ظلم هذا و العالم كله يتفرج و كأننا ضحية مصاص دماء في فلم من افلام هوليود المرعبة